“وصلنا إلى الحدود القصوى للقوة “… المنطقة على حافة حرب شاملة أخرى؟
“ليبانون ديبايت”
مع حالة المدّ والجزر في مسار المفاوضات الإيرانية–الأميركية، واتجاه الأمور نحو بلورة إطار تفاوضي أكثر وضوحاً، ينعكس هذا المسار تدريجياً على المشهد الداخلي اللبناني، سواء على مستوى التهدئة الميدانية أو في مقاربة ملفات الحرب والتصعيد. وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان قراءة شاملة لتوازنات المرحلة وحدود القوة واحتمالات المسار المقبل.
يقول شومان إنّه “بشكل عام، وصلنا إلى”الحدود القصوى للقوة” من جانب المعتدي، وفق المفهوم الإسرائيلي القائم على ضرورة تفكيك المقاومة”، مستنداً في رأيه إلى “تقارير للجيش الإسرائيلي تشير إلى أنّ الحرب أو المفاوضات، إذا استمرت بارتباطها بنزع السلاح، قد تقتضي احتلال لبنان بالكامل، وهو أمر مستحيل، وقد وُضعت هذه التقارير على طاولة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو”.
ويشير شومان إلى أنّه “بعد ما يقارب الشهرين من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، كان التقدّم الإسرائيلي في جنوب نهر الليطاني محدوداً”، معتبراً أنّ هذا الواقع “يعبّر عن الحدود القصوى الممكنة للتحرك العسكري الإسرائيلي ميدانياً”.
ويؤكد أنّه “في حال استمرار هذا النسق من العمليات، ووفق ما يقوله بعض المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، فإن ذلك يعني الدخول في حرب طويلة الأمد تمتد لسنوات، وهو أمر لا قدرة لإسرائيل على تحمّله”.
وبناءً عليه، يعتبر شومان أنّ “ما يجري عملياً هو بلوغ الجيش الإسرائيلي حدوده القصوى في إطار العمليات الجارية”، مضيفاً أنّه “حتى داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، هناك مراجعة شاملة لكل المشاريع المرتبطة بالساحة اللبنانية”.
وينتقل شومان إلى المقاربة الأميركية، فيقول إنّ “بالنسبة إلى الولايات المتحدة، هناك إدراك بأن سقف القوة في المنطقة وصل إلى حدوده القصوى”، موضحاً أنّ الأهداف التي طُرحت سابقاً، مثل “إسقاط النظام، وتحريك الشارع، وإحداث انشقاقات في المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، لم تتحقق”.
ومن هذا المنطلق، ينبّه شومان إلى أنّ الأميركي انتقل إلى فصل جديد في الصراع، يتمثل بالضغط عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ما أدى إلى أزمة طاقة عالمية بحد ذاتها، ومحاولة الضغط العسكري على إيران وتسويق صورة نصر بالتزامن مع أي تحرك بري، إلا أنّ هذا المسار، برأيه، “ليس في المتناول، وقد يقود إلى تكرار تجارب فاشلة كالتي شهدتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وقبلها في فيتنام”.
ويرى أنّ هناك مراجعة داخل الإدارة السياسية في البيت الأبيض وهيئة الأركان الأميركية، “لكن ذلك لا يمنع استمرار أدوات الضغط، ولا سيما الضغط العسكري المحدود، من دون العودة إلى الوراء، وهو الاحتمال المرجّح حتى الآن”.
ويلفت إلى أنّ المشهد في إيران أيضاً يشهد مدّاً وجزراً، لكن المعطيات تشير إلى أنّ إسلام آباد قد تشهد الأسبوع المقبل جولة مفاوضات جديدة بين الإيرانيين والأميركيين، مؤكداً أنّ “الإعلان عن عدم الذهاب إلى المفاوضات لا يعني بالضرورة عدم عقدها لاحقاً”.
ويشير إلى أنّ الأميركيين والباكستانيين يتحدثون عن اتفاق مبدئي قريب، على أن يليه اتفاق تفصيلي قد يستغرق نحو 60 يوماً، وخلال هذه الفترة “سنشهد عمليات شدّ وجذب واستخدام مختلف أدوات الضغط التفاوضي، إلا أنّ الأمور تبدو متجهة نحو اتفاق يحتاج إلى استكمال بعض التفاصيل”.
ويتابع شومان: “على الأرجح، الأمور تتجه نحو اتفاق أو تسوية، أو على الأقل تفاهمات تفصيلية، وليس نحو العودة إلى الحرب”، موضحاً أنّ “حتى في حال استمرار بعض العمليات العسكرية، فإنها لن تخرج عن إطار المسار العام للعملية السياسية والتفاوضية”.
ويؤكد أنّ “حدود القوة وصلت إلى أقصاها، وبالتالي فإن استمرار استخدامها بهذا الشكل لن يؤدي إلا إلى استنزاف متبادل، إسرائيلي وأميركي أيضاً”، لافتاً إلى أنّه “قبل الوصول إلى الاتفاق التفصيلي، قد نشهد ارتفاعاً في الوتيرة العسكرية، ولكن تحت السيطرة، من دون العودة إلى مشهد التصعيد الذي شهدناه في الشهرين الماضيين”.
وفي ما يتعلق بلبنان، يقول شومان إنّ “حزب الله دخل الحرب بهدف وقف الحرب، وليس بهدف فتح حرب مفتوحة أو دائمة”، موضحاً أنّ المعادلة التي يعتمدها تقوم على “عدم العودة إلى ما قبل الثاني من آذار”.
ويضيف أنّه “في حال استمرار الخروقات الإسرائيلية، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى ردّ من المقاومة اللبنانية”، لكنه يشدد على أنّ “هذا الرد سيكون مدروساً ومحدوداً، وليس تصعيداً شاملاً كما في مراحل سابقة”.
ويشرح أنّ “الهدف هو منع العودة إلى حالة الاستنزاف التي سادت خلال الفترات الماضية”، معتبراً أنّ “القرار بالرد موجود، والمعادلة هي إما التهدئة الكاملة أو الاستمرار بالحرب، وحتى لا يتمادى العدو الإسرائيلي باعتداءاته، قد يكون الرد محدوداً ومدروساً وليس شاملاً”.
أما في ما يتعلق بالوضع في القرى الجنوبية، ولا سيما نحو 55 بلدة لا يزال يُمنع أهلها من العودة إليها، فيشير شومان إلى أنّه “بعد تثبيت معادلة وقف إطلاق النار، تنشأ معادلة جديدة تقوم على إطلاق المسار السياسي والدبلوماسي، وبناءً على اتجاهاته، إما يتم الالتزام به، أو العودة إلى التعامل مع الاحتلال باعتباره قوة محتلة ومواجهته ضمن ما يُعرف بحرب العصابات”.
ويلفت إلى أنّ “المرحلة الحالية هي مرحلة انتظار وترقّب لتحديد مسارات الأمور، لا سيما أنّ وقف إطلاق النار لم يُثبت بعد”، مضيفاً أنّه “إما الذهاب نحو تثبيت المسار الدبلوماسي، أو العودة إلى مقاومة الاحتلال في المناطق التي دخل إليها مؤخراً”.
ويختم شومان بالتأكيد أنّ “ما نشهده اليوم هو أقرب إلى أبواب تهدئة، وليس تهدئة كاملة بالمعنى الشامل، ما يعني احتمال حصول بعض الاضطرابات أو الضغوط النارية المحدودة، إلا أنّ عجلة المفاوضات قد انطلقت فعلياً